& جريمة الدكتورة بسمة &

& جريمة الدكتورة بسمة &

وهذه المقالة أعجبتنى حقاً لما فيها من إنصاف فأحببت أن تشاركونى فى الإطلاع عليها حتى نشعر جميعاً بأن هناك إناس

مازالوا يتعاملون بمبدأ الإنصاف ، حيث أنه أحب الأشياء عند الله وإليكم نص المقالة وهو المنشور بجريدة الشروق بقلم الدكتور / علاء الأسوانى .

فى عام 1982 تم تعيينى فى وظيفة طبيب مقيم بقسم جراحة الفم فى كلية طب الأسنان.. وعينت معى فى نفس اليوم زميلة طبيبة اسمها بسمة. وقد عملت معها لمدة عام كامل فنشأت بيننا صداقة حقيقية ورأيت فيها نموذجا مصريا مشرفا سواء من الناحية الأخلاقية أو المهنية العلمية.

ثم تركت أنا العمل فى الجامعة وسافرت إلى الولايات المتحدة للدراسة ولم أر صديقتى بسمة سنوات طويلة حتى قرأت عنها فى الصحف وعرفت أنها وقعت فى مشكلة كبيرة: فهى مولودة لأسرة بهائية، ولما أعلنت عن دينها فى قسم الجراحة التى تعمل فيه. أعلن عدد من الأساتذة (الجامعيين) ما اعتبروه حربا مقدسة ضد الدكتورة بسمة.. فتم إسقاطها عمدا فى كل الاختبارات التى دخلتها بالرغم من تفوقها الذى يشهد به الجميع. وكانت نيتهم المعلنة أن يتكرر رسوبها حتى يتم فصلها من الجامعة، بخلاف الاستهزاء الدائم بدينها والتهكم عليها واتهامها بالكفر من الصغير قبل الكبير.

وقد خاضت الدكتورة بسمة الحرب بشجاعة فهى مقتنعة بأنها لم ترتكب جرما ولم تفعل شيئا تخجل منه وهى تعلن أنها مصرية بهائية، وقد تقدمت بمئات الشكاوى إلى جميع المسئولين فى الدولة حتى نجحت أخيرا فى امتحان الدكتوراه بفضل تدخل رئيس الجامعة بنفسه ووقوف بعض الأساتذة المنصفين معها مثل الدكتور شريف المفتى والدكتور هانى أمين.. ومع ذلك رفض القسم أن يعينها لأنها بهائية واستصدر الأساتذة المتشددون ضدها فتوى من الأزهر بأنها مرتدة وقاموا بتوزيعها فى الجامعة مما أصابها بالرعب لأنه أصبحت معرضة للقتل فى أية لحظة.

لكن الدكتورة بسمة لم تيأس وظلت تحارب بشجاعة حتى انتزعت حقها وتم تعيينها فى الجامعة. على أن مشاكلها لم تنته عند ذلك فقد ثار الخلاف الشهير حول قيد البهائيين فى البطاقة مما أثار ضدهم المتطرفين من جديد.

وظهرت الدكتورة بسمة فى برنامج الصديق الأستاذ وائل الأبراشى، وظهر معها الأستاذ جمال عبدالرحيم، وهو صحفى يعتقد فيما يبدو أن لديه توكيلا إلهيا يعطيه الحق فى التفتيش على ضمائر الناس وأديانهم، وقد انهال على الدكتورة بسمة بكل أنواع الإهانات لمجرد أن لها دينا مختلفا عن دينه وقال لها بالحرف: «أنت مرتدة وتستحقين القتل».. مما يعد تحريضا على القتل فى جهاز إعلامى يراه ملايين الناس.

وقد أتى التحريض ثمرته فى اليوم التالى فتم إحراق منازل البهائيين بقرية الشورانية فى محافظة سوهاج، على أيدى متطرفين رأوا البرنامج واعتبروا ما يقوله الصحفى المحرض واجب التنفيذ.

والغريب أن من قاد هذا العدوان ضد الأبرياء الآمنين هو أمين الحزب الوطنى فى القرية الذى قال بعد ذلك أنه فخور بما فعل وأنه سيستمر فى إحراق منازل البهائيين وضربهم وطردهم حتى ولو كانوا أطفالا رضع.. وقد استمرت هذه الحملة الرهيبة فتم رفع دعاوى جديدة من بعض المشايخ يطالبون فيها بنزع الجنسية المصرية عن البهائيين.

كل هذه الأحداث المؤسفة تستحق مناقشة هادئة بعيدا عن الانفعال والأحكام المسبقة:

أولا: البهائية ديانة مستقلة، والبهائيون ليسوا مرتدين عن الإسلام لسبب بسيط أنهم لم يكونوا مسلمين فى يوم من الأيام.. والديانة البهائية موجودة فى مصر منذ عام 1864 وقد اعترفت الدولة المصرية بحقوق المصريين البهائيين من البداية. ففى عام 1934 وافقت الحكومة المصرية على إنشاء المحفل البهائى وتم تسجيله فى المحاكم المختلطة وفى عام 1940 وافقت الحكومة المصرية على إنشاء المعبد البهائى، وفى عام 1953 أمر الرئيس محمد نجيب بتخصيص قطعة من أراضى الدولة لتكون مقابر للبهائيين وفقا لمعتقداتهم الدينية.. وظلت الديانة البهائية تسجل رسميا فى البطاقة حتى ثارت هذه المشكلة الأخيرة.

وكان هناك من البهائيين شخصيات لامعة ومحترمة فى كل المجالات أشهرهم الفنان العظيم حسين بيكار الذى كان ملء السمع والبصر ولم يطالب أحد بقطع رأسه أو إحراق منزله. الدولة إذن لم تفاجأ بوجود بهائيين فى مصر بل على العكس، البهائيون هم الذين فوجئوا بإلغاء حقوقهم كمواطنين لأنهم يعتنقون دينا مختلفا عن دين الأغلبية فى مصر.

ثانيا: اضطهاد البهائيين والتحريض على قتلهم بهذا الشكل، يطرح السؤال هل مصر دولة حقا أم أنها إمارة تابعة لحركة طالبان ؟.. إذا كانت دولة فان المواطن المصرى يجب أن يتمتع بحقوقه كاملة مهما يكن دينه.. ومن المحزن أن نضطر إلى مناقشة المواطنة بعد قرن كامل من إرساء مفهومها فى مصر.. فقد قال الزعيم سعد زغلول فى أول خطبة له بعد عودته من المنفى: «لقد علمتنا الثورة أننا جميعا مصريون: يهودا وأقباطا ومسلمين».. هذا المفهوم الراقى للمواطنة الذى أنجزته ثورة 1919يتعرض الآن للتشويش بواسطة المتطرفين الذين تأثروا بالأفكار السلفية الوهابية المتخلفة.. قد يقول البعض إن تسامحنا يجب أن يقتصر على المسيحية واليهودية فقط لأنها ديانات سماوية بخلاف البهائية.. والحق أن تقسيم الأديان إلى سماوية وأرضية مسألة نسبية تماما لأن معظم الأديان يعتقد أصحابها أنها سماوية.. بل إن الأديان الثلاثة الكبرى نفسها لا تعترف ببعضها البعض.. فاليهودية لا تعترف بالمسيحية أو الإسلام والمسيحية لا تعترف بالإسلام.. ويظل الإسلام العظيم هو أكثر الأديان تسامحا لأنه يعترف بالأديان الأخرى جميعا ويحترمها.. وهذا التسامح هو الأساس الذى بنيت عليه الحضارة الإسلامية مجدها عندما قادت العالم كله نحو النهضة على مدى قرون.

ثالثا: إذا كنا نضطهد مواطنين مصريين مثلنا لمجرد أنهم يتبعون ديانة مختلفة فلا يحق لنا بعد ذلك أن نلوم الغربيين إذا أمعنوا فى اضطهاد المسلمين فى الغرب. والحق أنه لا مجال للمقارنة بين الحقوق التى يتمتع بها المسلمون فى الغرب وبين التضييق والتعنت والاضطهاد الذى يتعرض له المصريون البهائيون.

رابعا: إن عقوبة القتل للمرتدين عن الإسلام لم تكن قط محل إجماع الفقهاء. وهناك آراء فقهية معتبرة ترى أن المرتد لا يعاقب فى الدنيا وانما فى الآخرة. وهم يستندون فى هذا الرأى إلى عدة أدلة:

أولا : أن القرآن لم ينص على عقوبة للمرتد بل إنه على العكس قد كفل حرية العقيدة للناس جميعا عندما أرسى المبدأ العظيم «لا إكراه فى الدين».. ولو أراد الله أن يعاقب المرتد فى الدنيا لنص على عقوبة محددة فى كتابه الكريم كما فعل سبحانه وتعالى مع جرائم أقل من الكفر مثل الزنا والسرقة.

ثانيا: أن حكم قتل المرتد يستند إلى حديث شريف واحد هو «من بدل دينه فاقتلوه» وهو حديث أحادى لا يجوز الأخذ به فى ترتيب حكم بهذه الخطورة كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث أثناء إحدى المعارك عندما لاحظ أن بعض المحاربين يتسللون من جيش المسلمين لينضموا إلى جيش الأعداء. فالمقصود بتبديل الدين هنا هو جريمة الخيانة العظمى وعقوبتها القتل فى القوانين الحديثة جميعا .

ثالثا: ثبت تاريخيا فى عدة حالات أن بعض الناس دخلوا الإسلام ثم ارتدوا عنه فلم يأمر الرسول بقتلهم.. إن خطورة حكم قتل المرتد أنه استعمل دائما فى التاريخ الإسلامى للتخلص من المعارضين السياسيين ومن المفكرين المجتهدين. كما أن قتل الناس بسبب عقيدتهم الدينية لا يتفق مع حقوق الإنسان ولا حرية العقيدة التى كفلها الإسلام العظيم.

منذ أيام صرح الشيخ القرضاوى بأنه والشيخ الجليل أبوزهرة وعلماء آخرون كانوا يؤجلون إعلان بعض آرائهم الفقهية اتقاء لهياج العامة والمتطرفين.. ونحن نحتاج فعلا الآن إلى شجاعة الفقهاء المجددين من أجل تخليص الفكر الإسلامى من الشوائب التى علقت به فى عصور الاستبداد والانحطاط.

إن قضية الدكتورة بسمة موسى والمواطنين المصريين البهائيين تؤكد من جديد ضرورة إقامة الدولة المدنية الديمقراطية فى مصر.. عندئذ سوف يتمتع المصريون جميعا بحقوق متساوية أمام المجتمع والقانون، بغض النظر عن الدين الذى يؤمنون به.. الديمقراطية هى الحل..

* بارك الله فيك يا دكتور علاء وأكثر من أمثالك المنصفين الذين نحن فى أشد الحاجه إليهم الآن لكى يتم إصلاح العالم .

حيث يتفضل حضرة بهاء الله  :

( لم يزل كان إصلاح العالم بالأعمال الطيبة الطاهرة والأخلاق الراضية المرضية )

* وألف ألف مبروك على الدرع الذى منحته لك كلية طب الفم والأسنان جامعة القاهرة فحقاً انت تستحق أكثر من ذلك بجدارة .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: